وهبة الزحيلي
52
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهذا المعنى ذاته شبيه بما قالته قريش : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف 43 / 31 ] . ولم يتنبهوا إلى أن معيار الاصطفاء للنبوة أو الرسالة إنما هو السمو في الفضائل والصفات التي ينعم اللّه بها عليهم ويؤهلهم لتلقي الوحي وتبليغه إلى البشر . وكان مآل غطرسة فرعون وقومه أمرين : التكذيب بنبوة موسى ، وإنزال التوراة على موسى ، أما الأول فهو قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ أي كذب فرعون وقومه موسى وهارون ، فأهلكهم اللّه بالغرق في يوم واحد أجمعين في بحر القلزم ( البحر الأحمر ) كما أهلك المستكبرين المتقدمين من الأمم بتكذيبهم رسلهم . وأما الثاني فهو قوله سبحانه : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لقد أنزلنا على موسى التوراة المشتملة على الأحكام والأوامر والنواهي ، بعد إغراق فرعون وقومه ، رجاء أن يهتدي بها بنو إسرائيل إلى الحق ، بامتثال ما فيها من المعارف والأحكام ، وذلك كقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ القصص 28 / 43 ] . قال ابن كثير : وبعد أن أنزل اللّه التوراة ، لم يهلك أمة بعامة ، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين « 1 » . فقه الحياة أو الأحكام : في قصة موسى وهارون مع فرعون عبرة بالغة وعظة مؤثرة ، فلقد بعث اللّه
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 245